الشريف المرتضى

90

الأمالي

في الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة في عبد الطاغوت وهو أن يكون المراد أن يجعل منهم عبد الطاغوت أي نسبه إليهم وشهد عليه بكونه من جملتهم ويجعل في مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل كقوله ( وجعل الظلمات والنور ) وكقوله تعالى ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) وهي ههنا تتعدى إلى مفعول واحد وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة كقوله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) وكقول القائل جعلت البصرة بغداد وجعلتني كافرا وجعلت حسنى قبيحا وما أشبه ذلك فهي ههنا تتعدى إلى مفعولين ولجعل مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها فكأنه تعالى نسب عبد الطاغوت إليهم وشهد أنهم من جملتهم . . فإن قيل لو كانت جعل ههنا على ما ذكرتم لوجب أن يكون متعدية إلى مفعولين لأنها إذا لم تتعد إلا إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق . . قلنا هذا غلط من متوهمه لان جعل ههنا متعدية إلى مفعولين وقوله تعالى منهم يقول مقام المفعول الثاني عند جميع أهل العربية لان كل جملة تقع في موضع خبر المبتدا فهي تحسن أن تقع في موضع المفعول الثاني كجعلت وظننت وما أشبههما . . وقال الشاعر أبا الأراجيز يا بن اللوم توعدني * وفى الأراجيز خلت اللؤم والخور ( 1 )

--> ( 1 ) - الأراجيز - جمع أرجوزة بمعنى الرجز وهو اسم بحر من بحور الشعر ولكن أراد بها القصائد المرجزة الجارية على هذا البحر . . وقوله - توعدني - من الايعاد لا من الوعد - واللؤم - بضم اللام وسكون الهمزة وهو أن يجتمع في الانسان الشح ومهانة النفس ودناءة الآباء فهو من أذم ما يهجى به وقد بالغ يجعل المهجو ابنا له إشارة إلى أن ذلك غريزة فيه . . وأما اللوم بفتح اللام وسكون الواو فهو العذل يقال لامه على كذا لو ما ولومة فهو ملوم . . وقوله - الخور - بفتح الخاء المعجمة وفتح الواو أيضا وفي آخره راء وهو الضعف يقال رجل خوار ورمح خوار وأرض خوارة يقول انك راجز لا تحسن القصائد والتصرف في أنواع الشعر فجعل ذلك دلالة على لؤم طبعه وضعفه . . فقوله أبا الأراجيز الهمزة للتوبيخ والانكار والباء تتعلق بقوله توعدني وقوله يا بن اللؤم منادى مضاف منصوب معترض بينهما وقوله اللؤم مرفوع بالابتداء والخور عطف عليه وخبره قوله في الأراجيز وقوله خلت بينهم اعتراض ولو نصبهما علي المفعولية لجاز وكان الظرف حينئذ في محل النصب مفعولا ثانيا وخلت بمعنى علمت . . والبيت للعين المنقري واسمه منازل بن زمعة من بني منقر بن عبيد بن الحارث بن تميم يهجو به رؤبة بن العجاج كذا قال بعضهم . . وقال النحاس يهجو العجاج وقال أبو الحجاج وبيت اللعين من كلمة رويها لام وقبله اني أنا ابن جلا ان كنت تعرفني * يا رؤب والحية الصماء في الجبل ما في الدواوين في رجلي من عقل * عند الرهان ولا أكوى من العقل أبا لا راجيز يا بن اللؤم توعدني * وفى الأراجيز خلت اللؤم والفشل هكذا رواه الجاحظ في كتاب الحيوان على أن الاقواء في البيت الثالث وأثبت الأبيات الثلاثة في كتاب الوحشي وليس فيها إقواء لأنه روى فيها وفي الأراجيز رأس القول والفشل